محمد بن جرير الطبري

9

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ يقول : خرج من بطن أمه بعد ما خلق ، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل ، ثم كان من خلقه أن دل على ثدي أمه ، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه ، إلى أن قعد ، إلى أن حبا ، إلى أن قام على رجليه ، إلى أن مشى ، إلى أن فطم ، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام ، إلى أن بلغ الحلم ، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال : يقول بعضهم : هو نبات الشعر ، وبعضهم يقول : هو نفخ الروح . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة ، مثله . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال : يقال الخلق الآخر بعد خروجه من بطن أمه بسنه وشعره . وقال آخرون : بل عنى بإنشائه خلقا آخر : سوى شبابه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال : حين استوى شبابه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : حين استوى به الشباب . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عنى بذلك نفخ الروح فيه ؛ وذلك أنه بنفخ الروح فيه يتحول خلقا آخر إنسانا ، وكان قبل ذلك بالأحوال التي وصفه الله أنه كان بها ، من نطفة وعلقة ومضغة وعظم وبنفخ الروح فيه ، يتحول عن تلك المعاني كلها إلى معنى الإنسانية ، كما تحول أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانا وخلقا آخر غير الطين الذي خلق منه . وقوله : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه فتبارك الله أحسن الصانعين . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث ، عن مجاهد : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ قال : يصنعون ويصنع الله ، والله خير الصانعين . وقال آخرون : إنما قيل : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ لأن عيسى ابن مريم كان يخلق ، فأخبر جل ثناؤه عن نفسه أنه يخلق أحسن مما كان يخلق . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، في قوله : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ قال : عيسى ابن مريم يخلق . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد ، لأن العرب تسمي كل صانع خالقا ؛ ومنه قول زهير : ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثم لا يفري ويروى : ولأنت تخلق ما فريت وبع * ض القوم يخلق ثم لا يفري القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ يقول تعالى